الأمّ اليتيمة :
..........................
لي قطّة بيضاء ناصعة لها عينان خضروان أقدمت على تربيتها بعد أن
تيتّمت بنفوق أمّها ؛ يومها لاحظت أثر الحزن عليها وكأنّها طفلة ذاقت من اليتم
كأسا ومن الحزن طاسا ، رأيت أثر الدموع على وجنتيها من البكاء بعينين مغرورقتين ؛
خلّف ذلك المشهد أثرا بليغا في نفسيتي فرئفت لحالها ...
كثيرة الموّاء كلّما سمعت لسبّاطي دبيبا ولخطواتي هسيسا ، أو
أحسـّت بأنفاسي تخرج زفيرا وتدخل شهيقا إلى صدري ، وكأنّي بها تتمنّى قدومي وتطرب
لحضوري .. كنت مثل كلّ مرّة ألج فناء الدّار وإذا بها تهرع إليّ مسرعة لتمرّ بين
ساقيّ مرّات ومرّات والفرحة تملأ محيّاها ...
أجلس لتناول الطعام وأشركها فيه ولم تكن مِعيافة ولا طمّاعة ؛ تأكل
من المَوجود لحما ، سردينا ، خبزا ، مرقا أو تحتسي حليبا أو ممّا أقدّمه لها قلّ
أو كثر ؛ تأكل بنهم وتصدر صوتا خافتا يشبه التّمتمة كأنّها تدعو بالخير لصاحب
المكرمة.. فإذا شبعت وأشبعت رغبتها تنحّت جانبا وجلست في وضع الإقعاء تنظر إليّ
خلسة وكأنّ بها استحياء ، خلافا للكثيرين من بني الإنس يعدّ لك اللّقيمات
والمضيغات، يراقب حركة يدك وهي تروح وتجيء بين القصعة وفوك بعينين جاحظتين ...
شاركتني فراشي صحيحا وعليلا ماكثة جنبي ولا تبرح مكانها إلّا عند
إفاقتي من نومي ؛ تبيت الليل طوله بقربي ساهرة دون نوم إذا أحسّت بمرضي ، كأنّها
تخفّف من وجعي وتشدّ من أزري ؛ فللفضيلة عنوان وعنوانها ردّ الجميل .. ولدت جروّا
هزيل الجسم ضعيف البنية أعمى العينين وقد اتّخذت من غرفة قديمة من زاوية بها بقايا
تبن بيتا لها ، تدفع بمقدّمة رأسها صغيرها لتخرجه إلى الفناء كلّ مساء وتمكث بقربه
أوقاتا متفاوتة لترجعه بنفس الكيفية إلى الداخل ؛ ثمّ تخرج أحيانا لتبحث عن طعام
لها يدرّ حليبا لصغيرها ، كلّما غبت وطالت غيبتي ؛ وشاءت الأقدار يوما أن مات
صغيرها ، ولتخبرني وتدلّني على مكانه سمعت منها مُوَاء على غير العادة ، فيه نبرة
حزن ولاحظت منها سلوكا مختلفا دلّني على مَوته .. وبعد مدّة ولدت جروين أحدهما
أسوَد والآخر أبيض عليه بقع سَوداء متباينة المساحات ؛ لم يمض على ولادتهما الكثير ...
وضعت قطعا من لحم الدّجاج في المكان المعتاد لأطعمها ، ولم تزل
القطع على حالها مدّة يومين ؛ ذهبت إلى الجروين متفقّدا كذا من مرّة فلا أسمع إلّا
مُوَاءهما يملأ المكان ولا أثر للوالدة .. ناديتها مرارا وتكرارا ولا حياة لمن
تنادي ؛ خرجت أبحث عنها في الحيّ وأسأل ، حتّى أنّني سألت القطط عنها .. خرجت ولم
تعد لا إلى الدّار ولا لترضع جرويها ؛ وبعد يوم ثالث وجدتها ملقاة على قارعة
الطريق ميتة ، فقد دهسها أحدهم بمركبته ؛ رجعت أدراجي إلى الدّار بعد إقتناء
رضّاعة حليب صغيرة ، محاولة منّي إرضاع اليتيمين لكنّني لم أوفّق في مسعاي ، ومات
الجروَان بعد أسبوعين ليلتحقا بأمّهما اليتيمة ...
فاليتم والحزن ليسا حِكرين على بني الإنسان فقط ، فقد عشت آلامهما
مع هذه العائلة وأحسست بما كابدت طيلة حياتها.. فلله في خلقه شئون.
.........................
محمد جعيجع من الجزائر ـ 01 جويلية 2021
==========================
الأمّ اليتيمة :
.......................
لي قطّة منذ أعوام أربّيها ...
بيضاء ناصعة.. خضراء عينيها
مَوّاءة كلّما أصغت دبيبة نعـ ...
لي أو أحسّت بأنفاسي تمنّيها
إذا ولجتُ إلى الدّار الفِنا هرعت ...
تموء باحثة عن من يُجاريها
جرت تماسح جنبيها مرحّبةً ...
وبين رجليّ قد لاقت مربّيها
يا قطّة يتّمتها الأمّ مَوتتها ...
تبيت تذكرها حزنا وتبكيها
إذا طعمت طعاما فيه أشركها ...
لحما ومن مرق خبزا أهاديها
من كلّ خير لنا رزق مشاركة ...
من فضل ربّي أطاعمْها وأسقيها
فراش نومي تشاركْني.. تنام بقر ...
بي دون نوم تجالسْني.. أسلّيها
إذا مرضت أبيت الليل طوله سا ...
هرا تساهرني سقمي بما فيها
إنّ الفضيلة لم تذهب سدى فلقد ...
أثنت فعاله خاتمْها وباديها
جراؤها واحد أعمى له سقم ...
أصابه الموت.. يحزنْها ويبكيها
واثنان من هزل لا يبرحان مكا ...
نا والحليب رضاعا بات يشقيها
يوما وقد قُتلت بالحيِّ راجعة ...
إلى الجراء فما عادت تغذّيها
خرجتُ أبحث عنها سائلا خبرا ...
كلّ الوَرى قططا عنهم أسمّيها
يا من رأى قطّتي البيضاء عن كثب ؟ ...
فالموت يبعدها والدّار ترثيها
ماتت ولي تركت جروين في صغر ...
حاولت في جهد إرضاع جرويها
لكنّني لم أوفّق بالنجاح وقد ...
أنهى المَنى بعد أسبوعين أهليها
كأنّما القطّة البيضاء ناحبة ...
تعدّ فاجعة والفقد ثانيها
ليس الجَوى لبني الإنسان في رصد ...
لقطّتي اليتم والأحزان تكفيها
......................
محمد جعيجع من الجزائر ـ 27 جوان 2021