السبت، 23 مايو 2020

مُذَكِّرَاتُ سَرْحَانْ...


مُذَكِّرَاتُ سَرْحَانْ...
قصّة قصيرة بقلم: أ. محمد جعيجع من الجزائر – 12 ماي 2020 


فِي إِحْدَى لَيَالِي الشِّتَاءِ البَارِدَةِ المُمْطِرَةِ اجْتَمَعَتْ عَائِلَةُ "سَرْحَانْ" الذِئْبُ العَجُوزُ حَوْلَ فَرِيسَةٍ لِخَرُوفٍ قَدْ ظَفَرَ بِهَا "نَهْشَلْ" الاِبْنُ البِكْرُ لِـ"سَرْحَانْ" وبَعْدَ أَنْ حَصَلَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَصِيبِهِ مِنْ اللَّحْمِ، جَلَسَ الجَمِيعُ يَتَجَاذَبُونَ أَطْرَافَ الحَدِيثِ كَالعَادَةِ، وَكَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ "دَيْسَمُ" ابْنُ "عَمَلَّسْ" الابْنُ الأَوْسَطْ لِـ"سَرْحَانْ"، حَيْثُ أَكْمَلَ أُسْبُوعَهُ التَّاسِعَ مِنْ عُمْرِهِ وَهُوَ يَتِيمُ الأُمِّ .. وَفِي خِضَمِّ الحَدِيثِ بَاغَتَ جَدَّهُ سَائِلًا: جَدِّي، جَدِّي.. مَا مَعْنَى كَلِمَةُ "كَلْبْ"؟ 
اِعْتَدَلَ الجَدُّ جَالِسًا وَعَوَى ضَاحِكًا ثُمَّ قَالَ : إِنَّ طَعَامَنَا المُفَضَّلُ لَحْمُ الضَّأْنِ مِنْ خِرَافٍ وَغَيْرِهَا.. نَتَرَبَّصُ بِالقَاسِيَةِ مِنَ القَطِيعِ أَوْ نَهْجُمُ عَلَى زَرِيبَةٍ لِشُوَيْهَاتٍ أَوْ لِعَنْزَاتٍ لَيْلًا وَالنَّاسُ نِيَامُ، وَكَانَ الكَلْبُ يَقِفُ دُونَ تَحْقِيقِ مُرَادِنَا فِي الكَثِيرِ مِنَ المَرَّاتِ؛ وَالكِلَابُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ، السَّلُوقِيّ، البِتِّيّ وَبُو الكُسَيْرَاتْ "كَلْبُ الحِرَاسَةِ" وَكُنْتُ كُلَّمَا دَنَوْتُ مِنْ زَرِيبَةٍ وَلَمَحْتُ حَوْلَهَا أحَدَهُمْ أَقُولُ:
اِيذَا وَجَدْتْ "السْلَڤْلَڨْ اِيْصِيرْ بَطْنِي يَتْلَڨْلَڨْ".
واِيذَا وَجَدْتْ "البِتِّي مَا عَنْدِي وِينْ انْتَكِي".
واِيذَا وَجَدْتْ "بُو الكُسَيْرَاتْ نَشْبَعْ عَلِيهْ اضْحَيْكَاتْ".
ضَحِكَ الجَمِيعُ عَدَا مَنْ يَعْرِفُ إِجَابَةً لِسُؤَالِ الْحَفِيدِ "دَيْسَمْ"، حَيْثُ تَظَاهَرَ بِالضَّحِكِ لِكَيْ لَا يَلْفِتَ الانْتِبَاهَ إِلَيْهِ.. اسْتَطْرَدَ الْجَدُّ حَدِيثَهُ وَهُوَ يُخْفِي وَجَعَهُ لِوَصْفِ كَلْبِ السَّلُوقِيِّ قَائِلًا:
تَخْشَى الذِئَابُ عَلَى نَفْسٍ مِنَ الْكَلْبِ ... سَلُوقِيًا وَاشِقًا حَامِي بَنِي الْعُرْبِ
يَرْنُو كَصَقْرٍ إِلَى صَيْدٍ لهُ هَدَفٌ ... يَعْدُو كَسَهْمٍ قَاتِلٍ إِلَى ذِئْبِ
كَلْبٌ طَوِيلٌ مَمْشُوقُ الْقَوَامِ طَوِيـ...لُ الصَّدْرِ غَيْرُ عَرِيضٍ وَاثِقُ الْدَّرْبِ
عَالِي الْقَوَائِمِ  وَالْعَضْلَاتُ بِالْفَخِذِ... طَوِيلَةٌ وَكُفُوفٌ رَحْبَةُ الْوَثْبِ
بِالْخَلْفِ قَائِمَتَانِ الطُّولُ مَازَهُمَا ... مَطْوِيَّتَانِ قَلِيلًا وَاشِقُ الْكَلْبِ
يَعْدُو بِسُرْعَةِ عَدْوٍ لَا مَثِيلَ لَهَا ... بَيْنَ الْكِلَابِ بِصَبْرٍ فَائِقَ الْصَحْبِ
رَأْسٌ طَوِيلٌ بِضِيقٍ وَاضِحٍ وَبِهِ ... أَنْفٌ طَوِيلٌ لَهُ طَرِيدَةُ السَّلْبِ
أُذْنَاهُ لِلْوَصْفِ طَالَتَا وَبِالتَّدَلِي ... أَنَاقَةٌ فِي الْعُنُقْ بِالطُّولِ مِنْ عُجْبِ
لَهُ فَمٌ مُسْتَطِيلٌ قَدْ ظَهَرْ بِنُيُو... بٍ حَادَّةٍ حَازَهَا لِلْأَكْلِ وَالْحَرْبِ
كَلْبٌ لَهُ قُوَّةُ الْفَكَّيْنِ فَاتِكَةٌ ... بِالعَضِّ وَالْقَتْلِ فِي مَوَاقِفِ الْخَطْبِ
يَصْطَادُ بِالأَمْرِ مِنْ صَحْبٍ بِلَا قَسَرٍ ... تَبْدُو لَهُ قُدْرَةٌ لِلصَّيْدِ بِالْوَثْبِ
سَكَتَ سَرْحَانُ قَلِيلًا ثُمَّ أَرْسَلَ عُوَاءًا طَوِيلًا  تَحَسُّرًا وَأَسَفًا لِمَا يَحْدُثُ مِنْ اقْتِتَالٍ بَيْنَ  بَنِي الْعُمُومَةِ مِنْ فَصِيلَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ قَالَ مُخَاطِبًا حَفِيدَهُ "دَيْسَمْ": إِنَّهُ قَدَرُنَا كَمَا كَانَ قَدَرُكَ يَا ابْنَ الْكَلْبَةْ.

البِتِّيُّ: جَرْوُ كَلْبٍ لِسَلُوقِي مِنْ كَلْبَةٍ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق